تصفح المجلة مجان  تصفح المجلة مجان

1917  عدد القرائ حاليا

إضاءة على الفوسفومايسين
إعداد: د. تميم الشحنة - سوريا ود. محمد فاخوري - لبنان

article

كتميم الشحنة الطبيب البيطري تبادر إلى ذهني وأنا أبحث في المعلومات الصيدلانية السؤال الآتي :
كيف يعمل الفوسفومايسين الصوديوم بشكل فعّال جدًّا لعلاج الحالات التنفسية الصعبة في الدواجن، في حين أنّ المراجع تقول إنّ امتصاصيته ضعيفة، وتركزه في النسيج الرئوي محدود نوعاً ما؟

حبّذا لو تذكرون لنا بعضاً من تجاربكم في استخدام فوسفومايسين الصوديوم لعلاج الحالات التنفسية في الدواجن عن طريق الفم، فـتجريبيًّا الموضوع رائع، ونتائجه العلاجية جيّدة في أغلب حالات الإصابات التنفسية بشكل عام، وفي المرض التنفسي المعقّد (CCRD)، وذلك عند مشاركته مع أفراد زمرة الماكروليد مثلًا.
ولكن الموضوع الذي كان مُبهَماً نوعاً ما بالنسبة لي هو:
أنّ دراسات عديدة تقول إنّ فوسفومايسين الصوديوم غير ممتصّ ولا يتركّز بشكل كبير في الأنسجة الرئوية...
بشريًّا لا يوجد فوسفومايسين الصوديوم فمويًّا، وإنّما فقط حقن.
بينما بشريًّا يُعطى فوسفومايسين تروميتامول فمويًّا لعلاج حالات الجهاز البولي.
فهل يكمن الاختلاف في صياغة الدواء بين الاستعمال البشري والبيطري، أم يكمن الموضوع في فسيولوجيا الجهاز الهضمي بين الطيور والبشر؟
فجاء الردّ على استفساري من الدكتور العزيز محمد فاخوري كالآتي
الفرق بين الدواء البيطري والبشري
لنفهم الموضوع بشكل صحيح، يجب أن نعرف أنّ هناك فرقاً أساسيًّا في شكل الدواء نفسه بين ما يُستخدم للإنسان وما يُستخدم للدواجن.
1 النوع المستخدم في الدواجن: فوسفومايسين الصوديوم
• هو عبارة عن مسحوق يذوب بسهولة شديدة في الماء، وهذه هي ميزته الأساسية.
• لدى البشر، يُعطى هذا النوع نفسه عن طريق الحقن الوريدي في حالات العدوى الشديدة.
• أمّا في الدواجن، وبسبب التعامل مع أعداد هائلة من الطيور، فالحلّ العملي هو علاجها جميعاً عن طريق ماء الشرب. وهنا تظهر براعة هذا النوع، إذ يذوب تماماً، ويصل إلى كل طائر بفعالية، حيث إنّ صيغة الصوديوم تضمن استقرار الدواء في الماء ووصوله إلى الطيور.
2 النوع المستخدم في البشر فمويًّا: فوسفومايسين تروميتامول
• هذا هو النوع الذي تراه في الصيدليات على شكل كبسولات لعلاج التهابات المسالك البولية.
• يمتصّه الجسم بطريقة تجعله يتركّز في البول، ولذلك فهو غير مُصمَّم لمكافحة العدوى في الرئة أو في الجسم بشكل عام بالطريقة التي يتطلّبها علاج الدواجن.
• لذا، فإنّ استعمالنا للفوسفومايسين في مياه الشرب هو تطبيق بيطري ذكي، يستفيد من خصائص ذوبان صيغة الصوديوم لتقديم العلاج بشكل جماعي وفعّال.

● السؤال المحوري : إذا كان لا يتركّز في الرئة، فكيف يعالج المشاكل التنفسية؟
هذا سؤال ممتاز، والإجابة ليست في مكان تواجد الدواء فقط، بل في كيفية عمله وفي طبيعة المرض نفسه.
● طبيعة المرض التنفسي في الدواجن
المشاكل التنفسية، مثل النيوكاسل والبرونشيت غالباً ما تبدأ كعدوى فيروسية.
الفيروس لا يقتل الطائر مباشرة، لكنّه يدمّر دفاعات الجهاز التنفسي، مثل الأغشية المخاطية.
هذا الدمار يفتح الباب على مصراعيه لهجوم بكتيري ثانوي، مثل الإيشيريشيا كولي (E. coli)، والميكوبلازما.
هذه البكتيريا هي التي تسبّب الالتهاب الرئوي الحادّ والنفوق.
● الآلية الاستثنائية للفوسفومايسين وسرّ نجاحه
الفوسفومايسين لا يعمل كمضادّ حيوي عادي، بل له مهارات خاصة:
• مقاومة الدرع البكتيري (Biofilm): تخيّل أنّ البكتيريا تبني حول نفسها طبقة لزجة واقية، كالقلعة، تختبئ فيها من المضادات الحيوية. يتميّز الفوسفومايسين بقدرة فريدة على تدمير هذا الدرع، ممّا يجعل البكتيريا مكشوفة وضعيفة.
توضيحاً لموضوع استفسارات البعض حول كيفية تأثير الفوسفومايسين في الحالات الفيروسية:
• عمل جماعي وتأثير تآزري: هذا هو السرّ الحقيقي. عند خلط الفوسفومايسين مع مضادّ آخر مثل الدوكسيسيكلين أو التايلوزين، لا نجمع بينهما فقط، بل نضاعف التأثير. وهذا أمر معلوم لدى الجميع؛ إذ يقوم الفوسفومايسين بكسر دفاعات البكتيريا، فيصبح المضادّ الحيوي الآخر قادراً على القضاء عليها بسهولة وكفاءة أعلى.
ونتابع: كيف يعطي نتائج رائعة مع الأمراض الفيروسية؟
الفوسفومايسين لا يعالج الفيروس نفسه، لكن النتائج الجيّدة تأتي من النقاط التالية:
1 الفيروس يهاجم ويُضعف الطائر.
2 البكتيريا تنتهز الفرصة وتهاجم مسبِّبة المرض الحقيقي.
3 عند إعطاء الفوسفومايسين، خاصةً في خلطة مع دواء آخر، فإنّنا نمنع هذه الهجمة البكتيرية الثانوية بقوة.
مثال:
مع الدوكسيسيكلين:
• هو مثبِّط للبروتين وفعّال، لكنّه بطيء التأثير، وقد لا يخترق الغشاء الحيوي.
• الفوسفومايسين يقوم بـ:
- تدمير الغشاء الحيوي.
- قتل جزء كبير من البكتيريا بسرعة.
• هذا يسمح للدوكسيسيكلين بالعمل على البكتيريا المتبقية بشكل أكثر فعالية، ويمنح الجهاز المناعي فرصة أفضل للتعافي ومقاومة البقية.
مع التايلوزين أو التلميكوزين:
• هذه المضادات تتركّز، بشكل جيّد، في أنسجة الجهاز التنفسي، وتستهدف الميكوبلازما بشكل خاص.
• الفوسفومايسين في المقابل يعالج البكتيريا سالبة الغرام، مثل (E. coli) التي تغزو كعدوى ثانوية.
• وبالتالي، أنتم تضربون عدوى الميكوبلازما والعدوى الثانوية سالبة الغرام في وقت واحد، وتستفيدون من التأثير التآزري بين الدوائين.

4 نتيجة لذلك، تختفي أو تقل الأعراض التنفسية الشديدة، وتنخفض نسبة النفوق، ويصبح جهاز مناعة الطائر قادراً على التركيز في محاربة الفيروس الأصلي دون أن يشغله عدوى بكتيرية قاتلة.
لذا، عندما يقول المربّون إنّ العلاج نجح في المرض الفيروسي، فهم يقصدون أنّه نجح في منع المضاعفات البكتيرية التي هي السبب المباشر في الخسائر.
نستنتج أنّ:
• الاستخدام العملي: فصيغة الدواء المصمّمة للذوبان في الماء هي ما يجعله عمليًّا للدواجن.
• الفعالية رغم التركيز: نجاحه يعتمد على آليته الفريدة في كسر دفاعات البكتيريا، وتعزيز عمل المضادات الأخرى (التأثير التآزري)، وليس فقط على كمّيته في الرئة.
• النتيجة مع الفيروسات: هو علاج غير مباشر مذهل، حيث يقضي على العدو الثاني، البكتيريا، ليُمكّن الجسم من هزيمة العدو الأول، الفيروس.
هذا يثبت أنّ الخبرة الميدانية أحياناً تسبق الأبحاث الأكاديمية، وتكشف عن آليات ذكية لتطبيق الأدوية.

Comments powered by CComment