مدخل إلى أساسيات علاج الحيوانات والطيور
مع الأشارة إلى كيفية استجابة الجسم للدواء
أعداد: أ. د. صفوت كمال
أستاذ الميكروبيولوجيا في معهد بحوث الأمصال واللقاحات البيطرية
تُعدّ السيطرة على المسببات المرضية وعلاج الحيوانات والطيور من المشكلات المهمّة، نظراً للحاجة الماسّة إلى البروتين الحيواني والداجني. ولأنّ فهم الدواء هو أساس وصفه، فقد تكاثفت الجهود العلمية لتحقيق ذلك الهدف، ولضمان صحة أفضل للإنسان والحيوان من خلال علاج الحيوانات والطيور، منعاً للخسائر التي تسبّبها تلك المشكلات المرضية التي قد تفتك بالحيوان.
الدواء
هو أيّ مادة تُستخدم في علاج أو تشخيص الأمراض والأوبئة التي تصيب الإنسان والحيوان، أو التي تفيد في تخفيف حدّتها أو الوقاية منها.
مصادر الأدوية
يمكن الحصول على الأدوية من المصادر التالية:
1- مصدر غير عضوي
تُستخدم بعض الأملاح المعدنية كأدوية في العلاج، مثل كبريتات الحديدوز في علاج مرض فقر الدم، وكبريتات الماجنيسيوم في علاج الإمساك، وبيكربونات الصوديوم في علاج زيادة حموضة المعدة، وكذلك بعض مشتقّات زيت البترول، مثل زيت البرافين الذي يُستخدم مليّناً في حالات الإمساك المزمن، وأيضاً بعض المركّبات الهالوجينية، مثل صبغة اليود التي تُستخدم مطهّراً للجلد قبل العمليات الجراحية.
2- مصدر عضوي:
(أ) مصدر نباتي
تُعدّ النباتات مصدراً مهمًّا من مصادر الأدوية الرخيصة، وذلك لاحتوائها على العديد من المواد الفعّالة التي يمكن فصلها وتنقيتها واستخدام بعضها كأدوية، مثل: الأتروبين من أوراق نبات ست الحسن، والمورفين من ثمار نبات الخشخاش، والإستركنين من بذور نبات الجوز المقيئ، والديجوكسين من نبات قفاز الثعلب.
(ب) مصدر حيواني
يمكن استخدام بعض أنسجة وأعضاء الحيوانات في الحصول على أدوية، مثل: الأنسولين من خلايا البنكرياس، والهبارين من خلايا الكبد، والأدرينالين من نخاع الغدة الكظرية، والإستروجين من المبيض.
3- التخليق الكيميائي
يمكن تخليق بعض الأدوية المستخدمة للعلاج في المعامل، وهذه الطريقة يمكن استخدامها للحصول على كميات كبيرة من الدواء في وقت قصير وبتكلفة أقل، ومن أمثلتها الأنسولين والهيبارين ومركبات السلفا والمضادات الحيوية.
4- بعض الميكروبات
تُعدّ الميكروبات، مثل الفطريات والبكتيريا، مصدراً للأدوية؛ لأنّ هذه الميكروبات تفرز أثناء عملية الأيض بعض المواد التي يمكن فصلها بصورة نقية واستخدامها في العلاج، ومنها المضادات الحيوية، مثل البنسلين من فطر البنسيليوم نوتاتوم، والستربتومايسين من فطر الستربتوميسيس جريسيوس.
أماكن عمل الأدوية
تعمل الأدوية المختلفة داخل الجسم في أحد الأماكن الآتية:
1- خارج الخلايا، مثل سترات الصوديوم المضادة للحموضة في المعدة، وكبريتات المغنيسيوم المسهل الموضعي.
2- على جدار الخلايا، مثل المضاد الحيوي البنسلين الذي يعمل على جدار الخلية البكتيرية، والديجوكسين الذي يعمل مقويًّا لعضلة القلب على جدار الخلية العضلية.
3- داخل الخلايا، مثل أدوية الأورام السرطانية وأملاح الباربيتورات التي تعمل كأدوية منومة.
أنواع تأثير الأدوية
إنّ الدواء لا يغيّر من وظيفة الخلية، وإنّما يغيّر النشاط الوظيفي لها زيادةً أو نقصاً، ويتمّ ذلك عن طريق اتحاد الدواء أو تفاعله مع مجموعات كيميائية موجودة على سطح الخلية تُعرف بالمستقبلات الخلوية. ويمكن تقسيم أنواع تأثيرات الأدوية على الخلية إلى:
• تنشيط: يعني نقص النشاط الوظيفي للخلية، مثل الذي يحدث عند إعطاء منبّهات قشرة المخ والحبل الشوكي.
• تثبيط: يعني نقصاً في النشاط الوظيفي للخلية، مثل الذي يحدث عند إعطاء المنوّمات والمخدرات.
• تهيج: يعني حدوث تغيّرات في بروتين الخلية مع زيادة في سمكها، وذلك بسبب الإلتهاب الذي يحدثه التأثير المهيج للدواء، مثل الذي يحدث عند إعطاء ملهبات أو حراقات الجلد.
* تصنيف تأثير الأدوية
تصنيف تأثير الأدوية:
1- تأثير علاجي: وهو تأثير مرغوب فيه؛ لأنّه يؤدّي إلى علاج الحالة المرضية.
2- تأثير غير مرغوب فيه: وهو يصاحب استخدام بعض الأدوية أثناء العلاج، ويكون غير مرغوب فيه، مثل جفاف الحلق عند استخدام الأتروبين، أو نقص فيتامين (ب12) عند العلاج بالمضادات الحيوية.
3- تأثير جانبي: وهو أيضاً غير مرغوب فيه، ويظهر أثناء استخدام بعض الأدوية، مثل حدوث القيء أو الإسهال أثناء العلاج بالمضادات الحيوية، وحدوث حساسية الجلد لضوء الشمس أثناء العلاج بمركبات السلفا، وحدوث الإجهاض أثناء العلاج بالمسهلات المهيجة القوية.
4- تأثير سام: هو الذي يظهر بعد إعطاء جرعة أكبر من الجرعة العلاجية للدواء، ويؤدّي إلى ظهور أعراض التسمّم، مثل هبوط التنفس وهبوط القلب.
التأثيرات العلاجية للأدوية
1- التأثير الموضعي: يعني أنّ الدواء يحدث تأثيره قبل أن يصل إلى الدم عن طريق الدورة الدموية، مثل المراهم، والمطهِّرات، واللبوسات المهبلية والشرجية.
2- التأثير العام: يعني أنّ الدواء يحدث تأثيره بعد امتصاصه ووصوله إلى الدم، مثل مدرّات البول ومقوّيات عضلة القلب.
3- التأثير المنعكس: يعني أنّ الدواء يحدث تأثيراً في مكان بعيد، ثم ينعكس هذا التأثير عن طريق انتقال النبضات العصبية ليظهر المفعول في مكان آخر. فمثلًا، عند إعطاء الكافور بالحقن تحت الجلد في حالة الإغماء، فإنّ هذا الدواء يسبّب تأثيراً مهيِّجاً لأعصاب الحسّ في الجلد، ويتمّ انعكاس هذا التأثير، فينبّه مركز التنفّس في النخاع المستطيل، ويحدث تنبيهاً للتنفس.
4- التأثير الاختياري: من المعروف أنّ الدواء يسبّب تأثيرات مختلفة، ولكنّه يوصف دائماً بأوضح وأقوى تأثير يسبّبه عند أقل الجرعات. فمثلًا، دواء المورفين يسبّب هبوطاً في التنفس، وإمساكاً، وقلّة كمية البول، وتثبيطاً في الجهاز العصبي المركزي يؤدّي إلى تسكين الألم وحدوث النوم، ويوصف دائماً بأنّه مسكّن للألم ومنوِّم.
5- التأثير التخصّصي: يعني أنّ الدواء يحدث أكثر من تأثير مختلف، وتتمّ كلّ هذه التأثيرات بآلية عمل واحدة. فمثلًا، يعمل الأتروبين موسّعاً لحدقة العين، ومانعاً للقيء، ومانعاً للمغص، وتحدث هذه التأثيرات الثلاثة عن طريق إغلاق الأتروبين للمستقبلات الموجودة في عضلات العين والمعدة والأمعاء على التوالي؛ ولهذا يسمّى الأتروبين تخصصيًّا في تأثيره.
6- التأثير غير التخصصي: يعني أنّ الدواء يسبّب أكثر من تأثير مختلف، وتتمّ هذه التأثيرات بآليات عمل مختلفة. مثال ذلك مشتقّات الفينوثيازين، فهي مهدِّئات نفسية، ومانعات للقيء، ومضادات للحساسية، وخافضات لضغط الدم، وكلّ تأثير من هذه التأثيرات يتمّ بآلية عمل مختلفة عن الأخرى؛ ولهذا تسمّى هذه الأدوية غير تخصصية في تأثيرها.
- أمتصاص الأدوية: هي عملية عبور وانتقال الدواء من مكان الإعطاء إلى الدورة الدموية. وتمتص معظم الأدوية عن طريق الجهاز الهضمي، في أغلب الأحيان من المعدة أو الأمعاء الدقيقة، وهناك أماكن أخرى للامتصاص، مثل الجلد والعضلات والأغشية المخاطية المبطّنة لفتحات الجسم.
توزيع الأدوية: يقصد به عملية انتقال الدواء بعد امتصاصه من مكان الإعطاء إلى بقية أجزاء الجسم عن طريق سريان الدم. ويتمّ توزيع الأدوية على سوائل الجسم المختلفة، وتشمل: السائل خارج الخلايا، ويشمل البلازما والسائل بين الخلايا، والسائل الخلوي. ويتمّ توزيع الأدوية على هذه السوائل المختلفة تبعاً لخواصها الكيميائية؛ فالأدوية سريعة التأين (القابلة للذوبان في الماء) يقتصر توزيعها على السائل خارج الخلايا، أمّا الأدوية غير المتأينة (القابلة للذوبان بسهولة في الدهون) فتستطيع النفاذ إلى السائل الخلوي.
أيض الأدوية: عبارة عن التفاعلات الكيميائية التي تحدث للدواء قبل إخراجه من الجسم، وتتمّ هذه التفاعلات بصفة أساسية في الكبد، وذلك بمساعدة أنزيمات معيّنة توجد في ميكروسومات الخلايا الكبدية، وتعرف بالأنزيمات الميكروسومية. ويتمّ الأيض في أعضاء أخرى، مثل الرئتين والكليتين والأمعاء والعضلات والجلد، ولكن بنسب أقل. وفي أغلب الأحيان تكون نتيجة الأيض هي تحوّل الدواء الفعّال إلى مواد فاقدة أو قليلة المفعول، أو تقليل سمية الدواء، وذلك بتحويله إلى مادة قليلة أو عديمة السمية. ولهذا يعتبر الكبد عضواً هامًّا في التخلّص من السموم الدوائية. وفي بعض الأحيان يؤدّي الأيض إلى تحويل الدواء غير الفعّال إلى مادة فعّالة، ثم بعد ذلك تتمّ عملية الإخراج في صورة غير فعّالة. وغالباً ما تكون نواتج عمليات الأيض مواد سهلة الإخراج من الجسم، وتبعاً لذلك، فكلّما زادت عمليات أيض الدواء في الجسم قلَّت أو انعدمت تأثيراته الدوائية أو السمية على أنسجة الجسم.
إخراج الأدوية: يتمّ إخراج الأدوية، سواء هي فعّالة أو في صورة نواتج أيضها، عن طريق الكليتين، والقناة الهضمية، والرئتين، والضرع.
استجابة الجسم للدواء
من العوامل التي تؤثّر على استجابة الجسم للدواء ما يأتي:
1- الجرعة المعطاة من الدواء.
2- وجود أدوية مع الدواء.
3- الاختلافات النوعية بين الحيوانات.
4- الاختلافات الفردية داخل النوع الواحد.
(1) الجرعة المعطاة من الدواء:
هناك نوعان من استجابة الجسم تبعاً لجرعة الدواء:
الاستجابة التدريجية: وتعني أنّ الزيادة في الجرعة المُعطاة من الدواء ينتج عنها زيادة مقابلة في الاستجابة، حتى تصل إلى حد يسمى أقصى مفعول، وهي المرحلة التي يتمّ عندها شغل أو احتلال جميع المستقبلات، أو الحد الأقصى منها، بالدواء.
الاستجابة الحدية: وتعني أنّ استجابة الجسم للدواء لا تظهر إلاّ بعد أن تصل الجرعة المعطاة إلى حد معيّن، ويُستفاد من هذه الاستجابة في تقدير الجرعة النصف المميتة للدواء.
(2) وجود أدوية مع الدواء
تتأثّر استجابة الجسم للدواء بوجود أدوية أخرى معه، فعند إعطاء دوائين أو أكثر معاً في وقت واحد، فإنّ النتيجة التي تحدث هي التضاد أو التعايش الدوائي.
التضاد الدوائي: وهو عند إعطاء دوائين أو أكثر في وقت واحد ينتج عنه قلّة أو انعدام في مفعول أحدهما، ومثل ذلك التضاد بين الأدرينالين والهستامين. ويُستفاد من ظاهرة التضاد بين الأدوية في علاج حالات التسمم ببعض الأدوية، وذلك باستخدام الترياق المناسب.
التعايش الدوائي: وهو الظاهرة التي تحدث بعد إعطاء دوائين معاً في وقت واحد، ويكون الناتج في اتجاه تأثير موحَّد. ومثال ذلك إعطاء كبريتات الماجنيسيوم وكبريتات الصوديوم معاً كمسهّلات موضعية، فيكون التأثير الناتج عنهما أكثر من تأثير كلّ منهما على انفراد. ومثل إعطاء دواء البروبنسيد مع المضاد الحيوي البنسلين، فإنّ دواء البروبنسيد يؤخّر إخراج البنسلين، وبالتالي يطيل فترة مفعوله داخل الجسم.
(3) الاختلافات النوعية بين الحيوانات
توجد اختلافات في استجابة الجسم للدواء بين الأنواع المختلفة من الحيوانات، ويرجع ذلك إلى الاختلافات الفسيولوجية والتشريحية بين الأنواع المختلفة من الحيوانات. ومن أمثلة ذلك: أنّ القطط والفئران تكون حسّاسة جدًّا لمشتقّات الفينول المطهّرة، وكذلك للمورفين، وهو من مثبطات الجهاز العصبي المركزي، إذ يسبْب لها تهيّجاً. كما أنّ الأرانب تتحمّل جرعات كبيرة من الأتروبين، والدواجن تتحمّل كمّيات كبيرة من مركّبات الزئبق العضوية دون ظهور أعراض تسمّم عليها. أمّا المجترات فتتحمّل جرعات كبيرة من الديجوكسين إذا أُعطي عن طريق الفم، في حين تكون الكلاب والقطط حسّاسة لدواء الإستركنين.
(4) الاختلافات الفردية داخل النوع الواحد
توجد اختلافات في استجابة الجسم للدواء بين أفراد النوع الواحد من الحيوانات، حيث تظهر مجموعة استجابة كبيرة وسريعة التأثير لدواء دون آخر.


Comments powered by CComment