Read the magazine Online  Read the magazine Online

2903  عدد الزوّار حاليّا

إعداد: د. تركي سراقبي - اليمن

ماذا تغيّر في مرض النيوكاسل في الدواجن في قرن من الزمن؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال، أودّ أن أذكّركم بأهم أعراض هذا المرض وآفاته، كما تظهر في الصور التالية::

turqi

                                 شكل 1: علامات إكلينيكية مهمّة في مرض النيوكاسل الضاري في الدجاج (أعلى اليمين: انتباه العينين وإغلاقهما، والتهاب واحتقان ونزف في ملتحمة العين، وأعراض عصبية مثل التفاف الرقبة. أسفل اليسار: نزف وانتفاخ في حلمات غدد المعدة الغدية، واحتقان ونخر ونزف في اللوزتين الأعوريتين).

قبل مئة عام، وثّق الأطباء البيطريون في جزيرة جاوة بإندونيسيا ومنطقة نيوكاسل في بريطانيا مرضاً مدمّراً يصيب الدواجن، عُرف لاحقاً في مختلف أنحاء العالم باسم مرض النيوكاسل (ND). وبعد مرور قرن، ما يزال فيروس مرض النيوكاسل واحداً من أهم التحديات التي تواجه صحة الدواجن عالمياً، لكنّه أصبح أيضاً محفّزاً قويًّا للتقدّم العلمي والتعاون الدولي والابتكار في مجال مكافحة الأمراض، ودافعاً لمراجعة ما جرى تعلمه والاستعداد للتحديات المقبلة، فضلاً عن كونه مثالاً على التأثير العميق لمرض النيوكاسل في تطور العلوم البيطرية الحديثة.
وقد كشفت الأبحاث في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين درساً آخر ظل ثابتاً، وهو أنّ هذا الفيروس يتمتّع بقدرة ملحوظة على البقاء والصمود ومقاومة الظروف البيئية. فقد أجبرت قدرته على البقاء في البيئات القاسية والانتقال بطرق غير مباشرة العلماء على إعادة النظر في إجراءات الأمن الحيوي، قبل أن يصبح هذا المصطلح متداولاً على نطاق واسع.
ومن أكبر التحديات التي تواجه صناعة الدواجن نقص التبليغ عن الحالات. فكثيراً ما يُنظر إلى مرض النيوكاسل على أنّه مرض خفيف، كما يمكن أن تتشابه علاماته السريرية مع علامات إصابات أخرى، ممّا يؤخّر الاستجابة له. ويظل تطوير لقاحات المرض وبرامج التحصين ضده من أهمّ التحديات في مكافحته.
ونشير إلى أنّه في عشرينيات القرن العشرين، كان من الصعب تفسير الإصابات (الفاشيات) القريبة من ميناء نيوكاسل في المملكة المتحدة؛ إذ كانت أدوات التشخيص محدودة، وكان المرض يُخلط كثيراً مع أمراض أخرى تصيب الدواجن. وأثبتت التجارب الرائدة في ويبرج أنّ العامل المسبب للمرض هو فيروس قابل للترشيح وليس بكتيريا، وهو اكتشاف أحدث ثورة في علم الفيروسات البيطري.
ومهّدت التطورات اللاحقة، ومنها استنبات الفيروس في البيض المخصب واستخدام المجهر الإلكتروني، الطريق لتطوير لقاحات حية فعّالة. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، حلّ التحصين محل الإعدام الجماعي بوصفه الاستراتيجية الأساسية للمكافحة، ممّا أدّى إلى انخفاض كبير في الفاشيات داخل المملكة المتحدة.
ومع ذلك، لم يختفِ مرض النيوكاسل تماماً؛ فقد أكّدت حالات الإدخال المتفرقة عبر منتجات الدواجن المستوردة والطيور المقتناة والحمام البري أهمّية الأمن الحيوي وضوابط التجارة الدولية. وفي وقت لاحق، مكّنت الفحوصات الجزيئية، مثل تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، العلماء من التمييز بين العترات اللقاحية والفيروسات الحقلية، وتحديد الواسمات الجينية المرتبطة بالضراوة.
وقد غيّرت هذه الأدوات كلّ شيء؛ إذ أتاحت لنا تتبع الفيروس بدقّة. وبعد قرن من التعايش مع مرض النيوكاسل، ما يزال الفيروس يمثل تحديًّا عالميًّا، لكنّه أصبح مفهوماً بدرجة أفضل بكثير من أي وقت مضى. وكما اتّفق الخبراء، فإنّ نجاح المكافحة خلال القرن المقبل سيتوقف على مدى كفاءة تحويل الابتكار العلمي إلى أثر عملي ملموس على مستوى الحقل.
وكان أحد أهمّ التحديات الحديثة هو كيفية تصنيف فيروس النيوكاسل، الذي يواصل التطور عبر القارات. فلم يكن مرض النيوكاسل يوماً ناجماً عن فيروس واحد ثابت؛ فقد شهدنا خلال القرن الماضي وأوائل القرن الحالي موجات وبائية عالمية متعددّة، قاد كلّ منها نمط جيني مختلف، وكان آخرها النمط الجيني السابع (جينوتايب 7). وقد أحدث هذا التنوّع الجيني قَدراً كبيراً من الالتباس؛ إذ اعتمدت نظم التصنيف القديمة على تسلسلات جزئية أو معايير غير متّسقة، ممّا أدّى إلى تداخل التسميات وضعف قابلية المقارنة بين الدراسات. وكان العلماء يتحدّثون في كثير من الأحيان عن الفيروس نفسه، لكنّهم يستخدمون مصطلحات مختلفة.
ولحلّ هذه المشكلة، أمضى خبراء من أكثر من 15 دولة عقداً كاملاً في تطوير نظام تسمية موحّد ومتوافق عالميًّا. وقد أصبح هذا النظام معتمداً على نطاق واسع، ويستند إلى التسلسل الجيني الكامل وحدود تصنيف محددّة بوضوح. كما أحدثت الأدوات الحديثة، مثل تفاعل البوليميراز المتسلسل الآني (real-time PCR)، وتسلسل الجينوم الكامل، والمعلوماتية الحيوية، تحوّلاً جذريًّا في أبحاث مرض النيوكاسل، إذ أتاحت التمييز السريع بين العترات الضارية وغير الضارية من دون الاعتماد حصريًّا على الاختبارات الحيوانية.
ويُعدّ هذا التصنيف أساساً للعديد من القرارات العملية المتعلّقة بمكافحة المرض. وما يزال مرض النيوكاسل واحداً من أهمّ أمراض الدواجن ذات الأهمية الاقتصادية في العالم، كما يواصل الفيروس التطور، إلاّ أنّ التعاون العالمي والنظم المشتركة يجعلاننا أكثر استعداداً بكثير للمئة عام المقبلة مقارنةً بما كنّا عليه خلال المئة عام الماضية.

الابتكار في اللقاحات
أعادت التطورات العلمية تشكيل الطريقة التي يتعامل بها قطاع الدواجن مع التحصين، ولا سيما في مكافحة مرض النيوكاسل. وقليل من التقنيات يجسّد هذا التحول بوضوح مثل اللقاحات الناقلة، التي امتدّت رحلتها أربعة عقود من التجارب والتحسين والتحقق من فعّاليتها في الظروف الميدانية.
وقد استعرض الدكتور "أتسوشي ياسودا" والدكتور "موتو إيساكي" من شركة "سيفا" اليابان تاريخ تطوير اللقاحات الناقلة، منذ المراحل التجريبية الأولى في ثمانينيات القرن العشرين، وصولاً إلى المنصات عالية الهندسة المستخدمة اليوم. وأوضح "ياسودا" أنّ الأبحاث المبكرة ركّزت على نواقل فيروس الجدري، التي تمتّعت بميزة مهمّة؛ إذ كان من الممكن إدخال حمض نووي غريب إليها بسهولة نسبية، بما يسمح بالتعبير الفعّال عن المستضدات الواقية داخل العائل.
لكن هذا الوعد العلمي ترافق مع تعقيدات تنظيمية؛ فقد تطلّب الأمر دراسات موسعة داخل الجسم الحي (in vivo) لإثبات المستضدية والمناعية، أعقبتها مناقشات طويلة مع الجهات التنظيمية. وقال "ياسودا": "استغرقت المناقشات نحو ثماني سنوات قبل أن نحصل أخيراً على ترخيص وزارة الزراعة الأميركية (USDA)، وشكّل هذا الترخيص، الصادر عام 1994، محطة مهمّة اعترف بها المجتمع العلمي لاحقاً، وأثبت أنّ اللقاحات الناقلة المؤتلفة تقنية قابلة للتطبيق والتوسع".
وبالاستناد إلى هذا الأساس، أوضح "إيساكي" أنّ اللقاحات الناقلة، ولا سيما اللقاحات القائمة على فيروس قوباء الديك الرومي (HVT)، تُصمَّم اليوم بدقة أكبر بكثير. وأكّد أنّ أداء اللقاح يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: موضع الإدخال، واختيار المستضد، وقوة المحفّز.
وقال: "إذا اخترت موضع إدخال غير مناسب، فقد تعيق تضاعف الفيروس وتضعف القدرة المناعية للقاح". ويُعدّ اختيار المستضد عاملاً حاسماً بالقدر نفسه؛ فاختيار الجين الممرض المراد التعبير عنه يؤثّر مباشرةً في نوعية الاستجابة المناعية. أمّا المحفّز فيحدد كمية بروتين المستضد التي تُنتج داخل العائل. وأوضح "إيساكي": "إنّه يتحكّم في كمّية البروتين التي تُنتج داخل الحيوان العائل".
وقد اختبر فريقه أكثر من 20 تركيباً لقاحيًّا قبل اختيار التركيب الأكثر ثباتاً وفعّالية، والمستخدم حاليًّا على مستوى العالم. وبالنظر إلى المستقبل، عرض "إيساكي" الاتجاهات المقبلة للقاحات الناقلة القائمة على الفيروس الناقل (HVT)، وقال: "سيتضمن تطوير لقاحات (HVT) الناقلة مستقبلاً تصميماً متقدّماً للمستضدات مدعوماً بالذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية"، في إشارة إلى التحوّل نحو تحسين اللقاحات اعتماداً على البيانات.
وعلى الرغم من التقدم التقني، ما يزال مرض النيوكاسل تحدّيًّا متوطناً في كثير من المناطق. وسلّط البروفيسور "فيلموس باليا"، خبير الدعم العلمي في شركة "سيفا"، الضوء على محدودية اللقاحات الحية والمعطلة التقليدية. وحذّر قائلاً: "تمنع لقاحات النيوكاسل التقليدية ظهور المرض السريري، لكنّها لا تمنع العدوى وما يليها من طرح الفيروس".
وأكد البروفيسور "باليا" المزايا المناعية لتقنية (rHVT-F)، إذ أظهر لقاح (Vectormune ND)، عند إعطائه داخل البيضة أو للصيصان بعمر يوم واحد، قدرة قوية على إحداث مناعة فعّالة مبكرة وطويلة الأمد تمتدّ طوال حياة الطائر، حتى بوجود الأجسام المضادة الأمومية، ومن دون إحداث تفاعلات تنفّسية. وتمثّل القدرة على توفير حماية مبكرة مع تقليل دوران الفيروس تقدّماً مهمًّا في المناطق التي يتوطّن فيها المرض.
وشدّد الدكتور ي. أ. (أريان) ستيغمان، أستاذ صحة حيوانات المزرعة في جامعة "أوتريخت"، هولندا، على أهمّية السيطرة على انتقال العدوى، قائلاً: "إذا منعت انتقال العدوى، فإنّك تمنع المرض أيضاً". وباستخدام بيانات من فروج لحم تجاري عُرّض لفيروس نيوكاسل شديد الضراوة من النمط الجيني السابع، أوضح أنّ لقاحات (rHVT-F) تخفض معدلات الانتقال بدرجة ملحوظة من خلال تقليل طرح الفيروس وتقصير مدة العدوى.
وأخيراً، عرض الدكتور "مارسيلو بانياغو"، مستشار شركة "سيفا"، بيانات موسّعة من اختبارات التحدي أكّدت فعّالية لقاح (rHVT-F) ضد الأنماط الجينية الناشئة لفيروس النيوكاسل. وأظهرت النتائج حماية عالية ومتّسقة ضد مختلف الأنماط الجينية، مع بداية مبكرة للمناعة واستمرارها طوال حياة الطائر. وذكر: "لا يعمل اللقاح إلاّ إذا طُبّق بطريقة صحيحة"، مؤكّداً أهمّية التشخيص والمتابعة والترصد.

Comments powered by CComment