Read the magazine Online  Read the magazine Online

2893  عدد الزوّار حاليّا

إعداد: د. أحمد خريسات - الأردن

 

لماذا أصبحت كفاءة التحويل الغذائي أهمّ من سرعة النمو في الاستزراع السمكي؟

fish

التحوّل من هوس النمو إلى منطق الكفاءة
شهدت قطاعات الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي خلال العقود الماضية تحوّلاً جذريّاً في فلسفة الإدارة والتقييم، حيث لم يَعُد معيار "سرعة النمو" هو المؤشّر الأساسي للحكم على نجاح النظام الإنتاجي، كما كان سائداً في النماذج التقليدية، بل برزت معايير أكثر عمقاً وتعقيداً، يأتي في مقدّمتها "كفاءة التحويل الغذائي". ولم يكن هذا التحوّل مجرّد تطوّر تقني، بل يعكس إعادة صياغة شاملة لمفهوم الإنتاج نفسه، في ظلّ تحديات اقتصادية وبيئية متزايدة.


في السابق، كان التركيز منصبًّا على الوصول السريع إلى الوزن التسويقي، باعتبار أنّ تقصير دورة الإنتاج يعني زيادة عدد الدورات السنوية، وبالتالي رفع العائد الاقتصادي. وقد بدت هذه المعادلة بسيطة ومقنعة في سياق وفرة نسبية في الموارد وانخفاض أسعار الأعلاف والطاقة. إلاّ أنّ هذا النموذج بدأ يفقد صلاحيته تدريجيًّا مع تغيّر الظروف العالمية، وظهور ضغوط جديدة أعادت تشكيل أولويات الإنتاج.
فمع الارتفاع المستمر في أسعار الأعلاف، التي تمثّل النسبة الأكبر من تكاليف الإنتاج، أصبح من الواضح أنّ سرعة النمو وحدها لا تعني بالضرورة ربحية أعلى. فقد يؤدّي تسريع النمو إلى زيادة استهلاك العلف بشكل غير متناسب، ممّا يرفع التكلفة الإجمالية لكلّ كيلوجرام مُنتَج، حتى وإن كانت الدورة الإنتاجية أقصر. وهنا بدأ يظهر التناقض بين "السرعة" و"الكفاءة".
هذا التناقض قاد إلى إعادة التفكير في السؤال الجوهري: هل الأهم أن ننتج بسرعة، أم أن ننتج بكفاءة أعلى باستخدام موارد أقل؟ ومع تعمق هذا السؤال، بدأت كفاءة التحويل الغذائي تفرض نفسها كمؤشّر أكثر دقة وواقعية لقياس نجاح الأنظمة الإنتاجية.
كفاءة التحويل الغذائي (Feed Conversion Ratio – FCR) ليست مجرّد رقم تقني، بل هي تعبير شامل عن العلاقة بين المدخلات والمخرجات في النظام الإنتاجي. فهي تقيس كمّية العلف اللازمة لإنتاج وحدة واحدة من الوزن الحيّ. وكلّما انخفضت هذه القيمة، دلّ ذلك على نظام أكثر كفاءة في تحويل الموارد الغذائية إلى كتلة حيوية قابلة للتسويق.
لكنّ الأهمية الحقيقية لهذا المؤشّر لا تكمن في تعريفه البسيط، بل في كونه يعكس، بشكل غير مباشر، مجموعة واسعة من العمليات البيولوجية والاقتصادية والبيئية داخل النظام الإنتاجي. فهو يرتبط بجودة العلف، وصحة الكائن الحيّ، وكفاءة الهضم والامتصاص، وجودة المياه، ومستوى الإجهاد البيئي، وحتى الإدارة التشغيلية داخل المزرعة.
ومع تعقيد هذه العوامل، أصبح من الواضح أنّ التركيز على سرعة النمو فقط يمثّل تبسيطاً مُخلًّا لواقع إنتاجي شديد التعقيد. فالنمو السريع قد يتحقّق أحياناً على حساب كفاءة استخدام الغذاء، أو على حساب صحة النظام البيئي داخل المزرعة، ممّا يؤدّي إلى نتائج غير مستدامة على المدى الطويل.
في المقابل، يقدّم مفهوم كفاءة التحويل الغذائي رؤية أكثر شمولاً، لأنّه لا ينظر فقط إلى "كمّية النمو"، بل إلى "تكلفة هذا النمو" من حيث الموارد المستخدمة. ويعكس هذا التحوّل في التفكير انتقالاً أوسع في العلوم الزراعية من منطق الإنتاج الكمّي إلى منطق الكفاءة النظامية.
يمكن فهم التغيّر في الأولويات على أنّه جزء من تحوّل عالمي أكبر نحو الاستدامة، حيث لم يَعُد النجاح يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة النظام على الحفاظ على موارده وتقليل أثره البيئي. وهذا ما جعل كفاءة التحويل الغذائي تدخل في صميم تقييم الأداء في المزارع السمكية الحديثة.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا التحوّل لم يأتِ فقط من داخل القطاع، بل فُرض أيضاً من الخارج بفعل التغيّرات في الأسواق العالمية. فالمستهلك اليوم أصبح أكثر وعياً بجودة الغذاء، وأكثر اهتماماً بكيفية إنتاجه. كما أنّ المؤسسات التمويلية باتت تفضّل المشاريع التي تعتمد على كفاءة أعلى في استخدام الموارد، باعتبارها أقل مخاطرة وأكثر استدامة.
وهكذا، بدأت سرعة النمو تفقد مكانتها كمعيار رئيسي، لتحلّ محلّها معايير أكثر دقّة وارتباطاً بالواقع الاقتصادي والبيئي، وعلى رأسها كفاءة التحويل الغذائي. ويمثّل هذا التحوّل نقطة بداية لفهم أعمق للتغيّرات التي يشهدها قطاع الاستزراع السمكي.


كفاءة التحويل الغذائي من منظور اقتصادي وربحي
عند الانتقال من الجانب المفاهيمي إلى الجانب الاقتصادي، يتّضح أنّ التحوّل من معيار "سرعة النمو" إلى معيار "كفاءة التحويل الغذائي" ليس مجرد تغيير في أسلوب التقييم، بل هو إعادة هيكلة كاملة لمنطق الربحية داخل أنظمة الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي. ففي الاقتصاد الإنتاجي الحديث، لم يَعُد السؤال المركزي هو: كم ننتج؟ بل أصبح: بأي تكلفة ننتج؟
تُعَد كفاءة التحويل الغذائي (FCR)، في هذا السياق، أحد أهمّ المؤشرات الاقتصادية غير المباشرة، لأنّها ترتبط مباشرة بتكلفة العلف، وهو العنصر الأعلى تكلفة في معظم أنظمة الاستزراع السمكي، حيث قد يمثّل ما بين 50٪ و70٪ من إجمالي تكاليف الإنتاج. وهذا يعني أنّ أي تحسّن بسيط في هذا المؤشر ينعكس بشكل كبير على هامش الربح النهائي.
فعلى سبيل المثال، عندما يتحسّن (FCR) من 1.8 إلى 1.4، فإنّ هذا الفرق لا يبدو كبيراً رقميًّا، لكنّه اقتصاديًّا يمثّل انخفاضاً كبيراً في كمّية العلف المطلوبة لإنتاج الكمّية نفسها من الأسماك. وهذا الانخفاض لا ينعكس فقط على تكلفة الشراء، بل يمتدّ ليشمل تكاليف النقل والتخزين والإدارة، وحتى التكاليف البيئية المرتبطة بزيادة الفاقد العضوي في المياه.
في المقابل، فإنّ التركيز على سرعة النمو وحدها قد يؤدّي إلى نتائج اقتصادية مضلّلة. فالنمو السريع قد يتطلّب أعلافاً ذات كثافة غذائية عالية وتكلفة مرتفعة، وقد يؤدّي إلى استهلاك غير متوازن للموارد دون تحقيق تحسّن حقيقي في الربحية النهائية. وبمعنى آخر، قد يحقّق النظام دورة إنتاج أسرع، لكنّه يحقّق هامش ربح أقل لكلّ وحدة إنتاج.
ومن هنا يظهر بوضوح أنّ الكفاءة الاقتصادية الحقيقية لا تُقاس بسرعة دوران رأس المال فقط، بل بمدى كفاءة تحويل المدخلات إلى مخرجات ذات قيمة سوقية. وهذا هو جوهر كفاءة التحويل الغذائي، التي أصبحت اليوم بمثابة "لغة مالية غير مباشرة" داخل قطاع الاستزراع السمكي.
كما أنّ هذا المؤشر يلعب دوراً مهمًّا في تقييم المخاطر الاستثمارية. فالمشاريع التي تعتمد على (FCR) منخفض ومستقرّ تُعتبر أقل تقلّباً وأكثر قدرة على التنبؤ بالتكاليف المستقبلية، ممّا يجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين والمؤسسات التمويلية. في المقابل، تُعتبر الأنظمة التي تعتمد على نمو سريع، ولكن غير مستقر في كفاءة التحويل الغذائي، أكثر عرضة للتقلبات في الأسعار والأرباح.
ومن زاوية أخرى، فإنّ كفاءة التحويل الغذائي تؤثّر بشكل مباشر على القدرة التنافسية في الأسواق. ففي الأسواق العالمية التي تشهد منافسة شديدة، لا يكفي إنتاج الأسماك بجودة جيدّة، بل يجب إنتاجها بتكلفة منخفضة تتيح دخول أسواق متعدّدة. وهنا تصبح الكفاءة في استخدام العلف عاملاً حاسماً في تحديد القدرة على المنافسة.
كما أنّ تحسين هذا المؤشّر يفتح المجال أمام إعادة توزيع الموارد داخل المزرعة نفسها. فكلّ انخفاض في كمّية العلف المهدور يعني تقليل الضغط على أنظمة معالجة المياه، وتقليل الحاجة إلى التدخلات العلاجية، وتحسين جودة البيئة الداخلية للأسماك. وهذا يؤدّي بدوره إلى تقليل التكاليف غير المباشرة التي غالباً ما يتمّ تجاهلها في التحليل الاقتصادي التقليدي.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ كفاءة التحويل الغذائي ليست مجرّد نتيجة لسياسات التغذية فقط، بل هي نتاج منظومة متكاملة تشمل جودة الأعلاف، والإدارة الصحية، وكفاءة النظام البيئي داخل المزرعة، ومستوى الإجهاد، وحتى التصميم الهندسي للأحواض وأنظمة التهوية. لذلك، فإنّ تحسين هذا المؤشر يتطلّب نهجاً شموليًّا، وليس تدخّلاً جزئيًّا.
يمكن القول إنّ (FCR) أصبح بمثابة "مؤشر تكاملي" يعكس الأداء العام للنظام الإنتاجي، وليس مجرّد رقم غذائي. فهو يجمع بين الاقتصاد والبيولوجيا والهندسة البيئية في نقطة واحدة، ممّا يجعله أداة تحليلية قوية لفهم أداء المزارع السمكية.
وبالتالي، فإنّ التحوّل نحو التركيز على كفاءة التحويل الغذائي يعكس نضجاً في الفكر الاقتصادي الزراعي، حيث لم يَعُد الهدف هو تحقيق أعلى إنتاج بأسرع وقت، بل تحقيق أفضل عائد اقتصادي بأقل استهلاك ممكن للموارد.


البعد البيئي والتقني – الأعلاف، والمياه، والذكاء الاصطناعي
لا يمكن فهم التحوّل نحو أهمّية كفاءة التحويل الغذائي (FCR) بمعزل عن التطورات البيئية والتقنية التي يشهدها قطاع الاستزراع السمكي. فمع تزايد الضغوط البيئية المرتبطة بندرة المياه، وتلوّث النظم المائية، وارتفاع البصمة الكربونية للإنتاج الغذائي، أصبح من الضروري إعادة النظر في العلاقة بين التغذية والنمو من منظور أكثر شمولاً، يتجاوز الحسابات الإنتاجية التقليدية.
في الأنظمة الإنتاجية الحديثة، لم يَعُد تأثير العلف يقتصر على تحقيق النمو فقط، بل أصبح يمتدّ ليشمل جودة المياه، واستقرار النظام البيئي داخل المزرعة، ومستوى الإجهاد لدى الأسماك، وحتى كفاءة استخدام الطاقة. فكلّ كمّية من العلف غير المستغلَّة بشكل كامل تتحوّل إلى مخلّفات عضوية ترفع من تركيز الأمونيا والنيتروجين والفوسفور في المياه، ممّا يؤدّي إلى تدهور البيئة المائية وزيادة الحاجة إلى أنظمة معالجة أكثر تعقيداً وكلفة.
وهنا يظهر بوضوح أنّ تحسين كفاءة التحويل الغذائي ليس هدفاً اقتصاديًّا فحسب، بل هو أيضاً أداة بيئية مباشرة لتقليل التلوّث وتحسين جودة المياه داخل أنظمة الاستزراع السمكي. فكلّ انخفاض في (FCR) يعني انخفاضاً في كمّية المخلّفات الناتجة، وبالتالي تقليل الضغط على النظام البيئي الداخلي للمزرعة.


الأعلاف كعامل بيئي حاسم
تطوّرت صناعة الأعلاف خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير، حيث لم يَعُد التركيز فقط على زيادة البروتين أو تحسين معدلات النمو، بل أصبح الهدف الأساسي هو تحسين قابلية الهضم ورفع كفاءة الامتصاص الغذائي. فالأعلاف الحديثة تُصمَّم اليوم بطريقة تقلّل من الفاقد داخل المياه، وتزيد من استفادة الأسماك من كلّ وحدة غذائية.
كما ظهرت توجّهات قوية نحو استخدام مصادر بروتين بديلة ومستدامة، مثل الطحالب الدقيقة، وبروتين الحشرات، والخمائر، والمنتجات الثانوية للصناعات الزراعية. وهذه البدائل لا تقلّل فقط من الضغط على الموارد البحرية، بل تسهم أيضاً في تحسين كفاءة التحويل الغذائي من خلال توفير مكوّنات غذائية أكثر توازناً وسهولة في الهضم. وبذلك يصبح تحسين (FCR) مرتبطاً بشكل مباشر بتطور صناعة الأعلاف، وليس فقط بأساليب التربية أو الإدارة داخل المزرعة.

إدارة المياه وجودة البيئة الداخلية
تلعب جودة المياه دوراً حاسماً في تحديد كفاءة التحويل الغذائي. فالمياه غير المستقرّة من حيث مستويات الأكسجين أو درجة الحرارة، أو التي تعاني من تراكم الأمونيا، تؤدّي إلى انخفاض شهية الأسماك وضعف كفاءة الهضم، وبالتالي ارتفاع (FCR) بشكل غير مباشر.
ولهذا، أصبحت أنظمة الاستزراع الحديثة تعتمد بشكل متزايد على تقنيات التحكّم البيئي الدقيق، مثل أنظمة الاستزراع المغلق (RAS)، التي تسمح بإعادة تدوير المياه ومعالجتها باستمرار، ممّا يحافظ على بيئة مستقرّة تساعد على تحسين كفاءة التحويل الغذائي.
كما أنّ تحسين جودة المياه يؤدّي إلى تقليل مستويات الإجهاد لدى الأسماك، وهو عامل مهمّ جدًّا في تحسين الاستفادة من الغذاء، حيث إنّ الإجهاد المزمن يؤدّي إلى انخفاض كفاءة النمو حتى في وجود أعلاف عالية الجودة.


الذكاء الاصطناعي وإدارة الكفاءة الغذائية
يمثّل التحوّل الرقمي، وخاصة استخدام الذكاء الاصطناعي، نقطة تحوّل مهمّة في تحسين كفاءة التحويل الغذائي. فقد أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تحليل سلوك الأسماك بدقة عالية، وتحديد التوقيت الأمثل للتغذية، والكمّيات المناسبة لكلّ مرحلة من مراحل النمو، بناءً على بيانات لحظية يتمّ جمعها من أجهزة الاستشعار داخل الأحواض.
كما يمكن للأنظمة الذكية التنبؤ بمعدلات النمو، وتعديل برامج التغذية بشكل ديناميكي، ممّا يقلّل من الإفراط في التغذية، وهو أحد أهمّ أسباب تدهور كفاءة التحويل الغذائي في الأنظمة التقليدية.
إضافة إلى ذلك، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي تحليل العلاقة بين جودة المياه وسلوك التغذية، ممّا يساعد على فهم العوامل غير المباشرة التي تؤثّر على (FCR)، وبالتالي تحسين الأداء العام للنظام بشكل أكثر دقة وفعالية.


من النظام التقليدي إلى النظام الذكي المتكامل
عند دمج الأعلاف المتطوّرة، وإدارة المياه الذكية، والتحكّم البيئي الدقيق، والذكاء الاصطناعي، يصبح لدينا نموذج جديد من الاستزراع السمكي لا يعتمد على الحدس أو الخبرة التقليدية فقط، بل على نظام متكامل قائم على البيانات والكفاءة.
في هذا النموذج، لا يُنظر إلى كفاءة التحويل الغذائي كمؤشر منفصل، بل كمحصلة نهائية لتفاعل مجموعة معقّدة من العوامل البيولوجية والتقنية والبيئية. وهذا ما يجعل تحسينها عملية مستمرّة تتطلّب إدارة دقيقة وشاملة لكلّ مكوّنات النظام.
وبذلك يتّضح أنّ (FCR) لم يَعُد مجرد رقم يُحسب بعد الإنتاج، بل أصبح مؤشراً حيًّا يعكس صحة النظام الإنتاجي في كلّ لحظة، ويحدّد مدى كفاءته واستدامته.


المستقبل وإعادة تشكيل أنظمة الغذاء العالمية
إنّ التحوّل نحو اعتماد كفاءة التحويل الغذائي (FCR) كمؤشر رئيسي في تقييم الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي لا يمكن فهمه باعتباره تطوّراً تقنيًّا محدوداً، بل هو جزء من إعادة هيكلة أوسع لأنظمة الغذاء العالمية. فالعالم اليوم لم يَعُد يواجه تحدّيًّا في "كمّية الإنتاج" بقدر ما يواجه تحدّيًّا في "كفاءة الإنتاج"، أي القدرة على إنتاج الغذاء باستخدام موارد أقل، وبأثر بيئي أقل، وباستدامة أعلى.
أصبحت سرعة النمو وحدها مؤشراً غير كافٍ لتقييم نجاح الأنظمة الإنتاجية. فالنمو السريع الذي يعتمد على استهلاك مرتفع للأعلاف والمياه والطاقة قد يبدو جذّاباً من منظور قصير المدى، لكنّه في الواقع قد يخلق أنظمة غير مستقرّة اقتصاديًّا وبيئيًّا على المدى الطويل. أما كفاءة التحويل الغذائي، فتقدّم رؤية أكثر توازناً، لأنّها تربط بين الإنتاج والتكلفة والاستدامة في آن واحد.


التحوّل العالمي نحو الكفاءة بدل الكمّية
تشهد أنظمة الغذاء العالمية تحوّلاً واضحاً من منطق "زيادة الإنتاج بأي ثمن" إلى منطق "تحقيق أعلى قيمة من أقلّ مدخلات". هذا التحوّل تقوده عدة عوامل متداخلة، أبرزها:
• ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة عالميًّا
• تراجع الموارد الطبيعية، مثل المياه والمصايد البحرية
• تغيّر المناخ وتأثيره على استقرار الإنتاج
• زيادة الوعي البيئي لدى المستهلكين
• تشدّد المعايير الدولية لسلاسل الإمداد الغذائية
هذه العوامل مجتمعة جعلت الكفاءة الإنتاجية، وليس الحجم الإنتاجي، هي العامل الحاسم في استدامة أي نظام غذائي.

كفاءة التحويل الغذائي كمؤشر استراتيجي للأمن الغذائي
في الماضي، كان يُنظر إلى الأمن الغذائي من منظور الكمّيات المتاحة من الغذاء. أمّا اليوم، فقد أصبح المفهوم أكثر تعقيداً، حيث يشمل أيضاً استدامة الإنتاج، واستقرار الأسعار، وكفاءة استخدام الموارد.
ضمن هذا الإطار، تصبح كفاءة التحويل الغذائي مؤشّراً استراتيجيًّا، لأنّها تحدّد كمّية الموارد المطلوبة لإنتاج الغذاء. فكلّ تحسّن في (FCR) يعني انخفاض الضغط على الموارد الطبيعية، وزيادة القدرة على إنتاج الغذاء من نفس الكمّيات المتاحة من الأعلاف والمياه.
وبذلك، فإنّ تحسين هذا المؤشر لا يخدم المزرعة فقط، بل يخدم النظام الغذائي الوطني والعالمي بأكمله.
المزارع المستقبلية: من الإنتاج إلى الذكاء التشغيلي
في المستقبل، لن تكون المزرعة السمكية مجرّد مكان لإنتاج الأسماك، بل ستكون نظاماً ذكيًّا متكاملاً يعتمد على البيانات والتحليل اللحظي. في هذا النموذج الجديد، سيتمّ التحكّم في جميع عناصر الإنتاج بشكل دقيق:
• التغذية ستُدار عبر أنظمة ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي
• جودة المياه ستُراقب بشكل مستمرّ عبر حساسات متقدّمة
• النمو سيتمّ التنبؤ به بدقة عالية
• القرارات التشغيلية ستُتخذ بشكل آلي أو شبه آلي
تصبح كفاءة التحويل الغذائي ليست مجرّد نتيجة نهائية، بل مؤشراً لحظيًّا يعكس أداء النظام بأكمله.

من النمو إلى الكفاءة: تحوّل فلسفي عميق
التحوّل من التركيز على سرعة النمو إلى التركيز على كفاءة التحويل الغذائي يعكس تحوّلاً فلسفيًّا أعمق في التفكير الاقتصادي والإنتاجي. فالنمو السريع يمثّل عقلية "الإنتاج أولاً"، بينما تمثّل الكفاءة عقلية "القيمة أولاً".
في النموذج التقليدي، كان النجاح يُقاس بكمّية الإنتاج في أقصر وقت ممكن. أمّا في النموذج الحديث، فإنّ النجاح يُقاس بقدرة النظام على تحقيق أفضل عائد اقتصادي وبيئي باستخدام أقل قدر ممكن من الموارد.
هذا التحوّل لا يغيّر فقط طريقة الإدارة، بل يغيّر أيضاً طريقة التفكير في مفهوم الإنتاج نفسه.
الاستدامة كإطار حاكم للمستقبل
لا يمكن فصل كفاءة التحويل الغذائي عن مفهوم الاستدامة. فكلّ تحسين في (FCR) يعني:
• تقليل استهلاك الموارد
• تقليل الانبعاثات البيئية
• تحسين استقرار النظام الإنتاجي
• زيادة القدرة على التكيف مع التغيرات
وبالتالي فإنّ (FCR) أصبح أحد الأدوات العملية لتحقيق أهداف الاستدامة في قطاع الغذاء.
وفي عالم يتّجه نحو تشديد القيود البيئية وارتفاع تكاليف الموارد، تصبح الأنظمة الأكثر كفاءة هي الأنظمة الأكثر قدرة على البقاء.

يمكن القول إنّ العالم يشهد تحوّلاً جذريًّا في فلسفة الإنتاج الغذائي، حيث تنتقل الأولوية من "كم ننتج" إلى "كيف ننتج". وفي قلب هذا التحوّل تقف كفاءة التحويل الغذائي كمؤشر مركزي يعيد تعريف النجاح في الاستزراع السمكي والإنتاج الحيواني.
لم تَعُد سرعة النمو كافية لتقييم الأداء، لأنّها لا تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج ولا أثره البيئي. بينما تقدّم كفاءة التحويل الغذائي رؤية أكثر شمولاً، تربط بين الاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا في إطار واحد متكامل.
وفي المستقبل، ستصبح الأنظمة الإنتاجية التي تعتمد على الكفاءة هي القادرة على البقاء والمنافسة، بينما ستتراجع أهمّية الأنظمة التي تعتمد فقط على زيادة الإنتاج دون تحسين استخدام الموارد.
وهكذا، يتحوّل (FCR) من مجرّد مؤشر تقني إلى "لغة جديدة" لفهم مستقبل الغذاء العالمي، حيث تصبح الكفاءة هي الأساس، والاستدامة هي الهدف، والذكاء التشغيلي هو الأداة.

Comments powered by CComment