
غالبًا ما يبدو وجودنا وكأنه ليس أكثر من زيارة عابرة—رحلة قصيرة، كما عبّرت فيروز ببلاغة: “جئنا إلى هذه الدنيا مشوار.” تحمل هذه الفكرة البسيطة وزنًا عميقًا. وبعد حياة امتدّت لعقود—تكاد تلامس القرن—أجد نفسي أعود إلى السؤال ذاته: ماذا فعلت حقًا، وماذا سيبقى بعدي؟ لقد عشتُ، وعملتُ، وأنجزتُ. تفاعلتُ مع الناس، وأسهمتُ في مجالي، وحملتُ أحلامًا كثيرة بعالمٍ أفضل وأكثر عدلًا. لكن حين أضع كل ذلك في مواجهة اتساع الوجود، يبدو كأنه لحظة عابرة، تكاد لا تُرى في خط الزمن اللامتناهي.
ما هو مقياس حياة الإنسان؟ أهي السنوات التي نعدّها، أم الأعمال التي ننجزها، أم الأثر الذي نظن أننا نتركه؟ على مقياس الكون، وجودنا أقل من لحظة—جزء ضئيل من ومضة زمن. ومع ذلك، نحمل في هذه الفترة القصيرة أسئلة كبرى: هل نعيش حقًا، أم أننا مجرد عابرين؟ هل غايتنا أن نبني، أم أن نتنافس، أم أن نسيطر، أم فقط أن نشهد؟ لقد تأرجحت البشرية عبر تاريخها بين البناء والهدم. شيّدنا حضارات، وطوّرنا المعرفة، وصنعنا الثقافات، لكننا أيضًا خضنا الحروب، وظلمنا بعضنا البعض، وسعينا وراء القوة بإصرار لا يهدأ.
يصعب تجاهل أن في داخل كل واحدٍ منا تناقضًا: قدرة على الخير والشر، على الرحمة والقسوة. وربما ما يدفع التاريخ إلى الأمام ليس فقط طموحنا نحو التقدم، بل أيضًا هذا الصراع الداخلي الذي نحاول ضبطه. من صراعات القبائل القديمة إلى حروب الدول الحديثة، ومن أدوات البقاء الأولى إلى أكثر الأسلحة تطورًا، يتكرر النمط ذاته. تتغير الأشكال—واليوم نتحدث عن التكنولوجيا، والمال، وحتى الذكاء الاصطناعي—لكن الدوافع العميقة كثيرًا ما تبقى كما هي.
نتحدث كثيرًا عن النجاح. نحتفي بمن يتفوقون في العلم، أو يجمعون الثروة، أو يحققون النفوذ. لكن النجاح، في كثير من الأحيان، مفهوم نسبي. أفضل من مَن؟ وأعظم من ماذا؟ هل نتقدم نحو معنى حقيقي، أم أننا فقط نسبق بعضنا في سباق لا نهاية له؟ التعليم، والعمل، والطموح—كلها تُقدَّم كطرق نحو “حياة أفضل”. لكن هذه الأفضلية غالبًا ما تُقاس بالمقارنة، لا بالرفاه الجماعي.
ومع تأملي في تجربة تقارب عمرًا كاملًا، أجد نفسي أمام حقيقة واحدة: التواضع. لقد تعلّمت الكثير، وشهدت الكثير، وساهمت بقدر استطاعتي. ومع ذلك، أعترف أنني لا أفهم تمامًا إلى أين نحن ذاهبون. مستقبل البشرية لا يزال غامضًا. هل سنتجاوز نزعاتنا التدميرية، أم سنطوّرها بوسائل أكثر تعقيدًا؟ لقد تغيّرت القوة عبر الزمن—من القوة الجسدية، إلى السلاح، إلى النفوذ الاقتصادي، وصولًا إلى السيطرة التكنولوجية. واليوم، تظهر قوى جديدة تطرح أسئلة لا تتعلق فقط بالتقدم، بل بمن يملك توجيه هذا التقدم.
ويبقى السؤال: ماذا يبقى؟ ماذا نترك حقًا وراءنا؟ هل الأعمال “الصالحة” صالحة بطبيعتها، أم أنها تتشكل وفق أنظمة القوة والتصور التي تحدد معنى النجاح؟ حتى القيم التي نحتفي بها قد تكون مرتبطة بالقوة والسياق. في النهاية، كل ما نبنيه—مؤسسات، إنجازات، سمعة—يبقى محكومًا بالزمن. والزمن، في نهاية المطاف، يذيب كل شيء.
لعلّ الخلاصة الأكثر صدقًا هي الأبسط: وجودنا مؤقت. زيارة عابرة. لحظة تمرّ. نأتي، ونسعى، ونتساءل، ثم نرحل. وبعد كل هذا التعلم، وكل هذا السعي، وكل ما راكمناه من معرفة وخبرة، أصل إلى إدراك هادئ: لا أعرف الكثير كما كنت أظن. لا أعرف إلى أين تمضي البشرية، ولا كم ستدوم هذه الرحلة. لكنني أعلم أن حياتنا—مهما طالت وامتلأت—تبقى، في اتساع الوجود، مجرد محطة عابرة في مسار لا نهائي.


Comments powered by CComment