سرّ الحياة... لماذا نتمسّك بها؟
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تطورًا كبيرًا في الطب والتغذية وتحسين جودة الحياة، مما أسهم في إطالة متوسط العمر المتوقع. ومع ذلك، يبقى سؤالٌ فلسفي وإنساني يفرض نفسه: هل يرغب الإنسان حقًا في أن يعيش حتى يبلغ المئة عام؟
قبل أكثر من عام، أُجري استطلاع للرأي في فرنسا شمل رجالًا تجاوزوا سن الخامسة والستين، وطُرح عليهم سؤال بسيط: هل تتمنى أن تعيش حتى عمر المئة؟ وكانت النتيجة لافتة؛ إذ أجاب نحو 65% منهم بالنفي.
ولم يكن السبب كراهية الحياة، بل إدراكهم لما قد تحمله سنوات الشيخوخة المتقدمة من تحديات. ففي كثير من المجتمعات الأوروبية، قد يحظى الإنسان بحياة مستقرة ونشطة حتى السبعين من عمره، لكن مع مرور السنوات تبدأ القدرة على الحركة والاستقلالية بالتراجع. ويجد كثير من كبار السن أنفسهم يعيشون بمفردهم بعد فقدان شريك الحياة، بينما تتوزع الأبناء والأحفاد في مدن أو بلدان مختلفة، فتزداد الوحدة حضورًا، وتصبح الذكريات الرفيق الأقرب.
وعندما تتراجع القدرة على القيادة أو التنقل أو ممارسة الأنشطة اليومية، يبرز سؤال مؤلم: ما الذي يمنح الحياة معناها في هذه المرحلة؟ بالنسبة لكثيرين، تبقى لحظات اللقاء مع الأبناء والأحفاد مصدرًا للسعادة، لكنها أصبحت، في ظل إيقاع الحياة الحديثة، أقل تكرارًا مما كانت عليه في السابق.
ورغم كل ذلك، يبقى الإنسان متمسكًا بالحياة. فهو يقاوم المرض، ويواجه الشيخوخة، ويتمسك بكل يوم جديد، وكأن غريزة البقاء أقوى من كل الصعوبات. نسعى، ونعمل، ونخطط، ونركض خلف أحلامنا، ثم نكتشف مع مرور الزمن أن ما نبحث عنه ليس مجرد سنوات إضافية، بل حياة ذات معنى، وعلاقات إنسانية دافئة، وذكريات تستحق أن تُعاش.
وهنا يبرز السؤال الأكبر: لماذا نحب الحياة إلى هذا الحد؟ ما السر الذي يجعل الإنسان يتمسك بها حتى في أصعب الظروف؟ لا يزال العلماء وعلماء النفس والفلاسفة يبحثون عن إجابة شافية، لكن الحقيقة أن هذا السؤال ما زال بلا جوابٍ حاسم. وحتى في عصر الذكاء الاصطناعي والتقدم العلمي المتسارع، يبقى سر تعلق الإنسان بالحياة أحد أعظم ألغاز الوجود.
وربما لا تكمن القيمة الحقيقية في عدد السنوات التي نعيشها، بل في الكيفية التي نعيش بها تلك السنوات، وفي الأثر الذي نتركه، والمحبة التي نتبادلها، والذكريات التي نصنعها.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل نريد أن نعيش عمرًا أطول، أم أننا نريد فقط أن نعيش حياةً أفضل؟
إنه سؤال رافق الإنسان عبر العصور، ولا يزال ينتظر من يكتشف سرّ الحياة.


Comments powered by CComment