
في أوقات النزاعات… من يطعم الناس؟
يشهد الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخه الحديث. فقد تصاعدت النزاعات، وامتدّت التّوترات عبر الحدود، وأصبحت تداعياتها محسوسة إلى ما هو أبعد بكثير من المجال السياسي. وبينما قد تبقى أسباب هذه الأزمات ودوافعها خفية أو صعبة الفهم الكامل، فإن آثارها على اقتصاداتنا وصناعاتنا وحياتنا اليومية واضحة ومؤلمة.
إن الأضرار التي نراها اليوم ليست سوى البداية. فبعض النتائج فورية ومرئية، مثل اضطراب الملاحة البحرية، وعدم استقرار طرق التجارة، وتعطل التدفقات الاقتصادية التي تقوم عليها اقتصادات دول بأكملها. أما الأضرار الأخرى فلن تظهر إلا مع مرور الوقت، مثل الضغوط الاقتصادية طويلة الأمد، وضعف الصناعات، وتزايد التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في المنطقة.
لطالما كان الخليج على مدى عقود محركًا اقتصاديًا رئيسيًا للعالم العربي. فقد بنت العديد من دول المنطقة، من شمال أفريقيا إلى بلاد الشام، علاقات اقتصادية قوية مع الخليج من خلال الاستثمار والصناعة والتجارة. ومع انتشار حالة عدم الاستقرار، فإن تداعياتها لا تهدد دولة واحدة فحسب، بل نظامًا اقتصاديًا مترابطًا بأكمله.
لطالما اعتُبرت الطاقة المورد الأكثر قيمة في المنطقة. إلا أنه في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية، حتى النفط — العمود الفقري لاقتصادات كثيرة — قد يفقد قدرته على تحقيق الاستقرار للأسواق وسبل العيش. فعندما يتباطأ التبادل التجاري، وتتعرقل سلاسل الإمداد، وتسيطر حالة عدم اليقين على الأسواق العالمية، فإن الخسائر تمتد عبر الحدود.
وفي خضم هذه التوترات الجيوسياسية، غالبًا ما يصبح من غير الواضح من المستفيد الحقيقي ومن الخاسر الحقيقي. لكن حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: شعوب المنطقة هي من تتحمل العبء الأكبر.
أما بالنسبة لمن يعملون في القطاع الزراعي — وبشكل خاص في قطاع الدواجن — فإن التداعيات تثير قلقًا عميقًا. فالدواجن ليست مجرد صناعة أخرى؛ بل هي واحدة من أكثر مصادر البروتين توفرًا وبأسعار معقولة لملايين العائلات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبالنسبة لكثير من الأسر ذات الدخل المحدود، تبقى الدواجن حجر الأساس في التغذية اليومية.
لكن قطاع الدواجن يعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل الإمداد العالمية. فمكونات الأعلاف، والمعدات، وقطعان التربية، واللقاحات، والعديد من المدخلات الأساسية يتم استيرادها في معظمها من الخارج. وأي اضطراب في طرق التجارة أو الشحن أو الاستقرار الإقليمي يضع ضغطًا هائلًا على المنتجين ويهدد التوازن الدقيق الذي يحافظ على توفر الغذاء بأسعار معقولة.
وهنا تبرز أسئلة ملحّة:
ماذا يمكن للحكومات أن تفعل لحماية إنتاج الغذاء في مثل هذه الأوقات غير المستقرة؟
كيف يمكن للصناعات أن تستمر في العمل عندما تتعرض سلاسل الإمداد للضغط؟
وكيف يمكن للمنتجين مواصلة رسالتهم في بيئة تزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم؟
في الماضي، كانت الصناعات غالبًا ما تتطلع إلى الحكومات بحثًا عن الحلول. أما اليوم، فالحكومات نفسها تواجه تحديات غير مسبوقة وحالة كبيرة من عدم اليقين. وهذا ما يجعل دور الصناعات القادرة على الصمود أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، يواصل قطاع الدواجن حمل مسؤولية أساسية: إطعام الناس — ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا.
إن عملنا ليس سياسيًا، بل إن جوهره إنساني. فكل مزرعة، ومفقس، ومصنع أعلاف، ومنشأة تجهيز، تسهم في هدف واحد: ضمان حصول العائلات في مختلف أنحاء المنطقة على غذاء آمن وبأسعار معقولة.
في أوقات السلم، تبقى هذه المهمة ضرورية.
أما في أوقات الأزمات، فتصبح لا غنى عنها.
إن العاملين في إنتاج الدواجن اليوم هم، إلى حد كبير، ضحايا صامتون لصراعات جيوسياسية أوسع. ومع ذلك، فإنهم يواصلون التزامهم بدورهم في دعم المجتمعات واستدامتها.
وما يطلبه هذا القطاع ليس امتيازات ولا أفضلية. بل يطلب الاستقرار.
وطرق تجارة آمنة.
والقدرة على العمل والإنتاج ورعاية الثروة الحيوانية التي تُطعم في نهاية المطاف ملايين الناس.
وفوق كل شيء، تحتاج المنطقة إلى أمر بسيط لكنه أصبح نادرًا بشكل متزايد: السلام.
لأنه في النهاية، فإن هدف كل منتج ومزارع ومورّد غذاء في هذه المنطقة هو الهدف نفسه: تأمين أبسط احتياجات الإنسان — حياة مستقرة وكريمة، ووجبة موثوقة على مائدة كل عائلة.


Comments powered by CComment